حبيب الله الهاشمي الخوئي
258
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
عليه ، هذا . ولما كانت الجملات ( 1 ) المتعاطفات الأخيرة كلَّها مشتركة المعنى في إفادة ندم الأموات ( 2 ) على ما فرّطوا في جنب اللَّه عقّبها بالجملة الحالية أعنى قوله : ( وقد أدبرت الحيلة وأقبلت الغيلة ) تنبيها بها على أنه لا ثمر للندم ولا منفعة في العضّ على اليدين والصفق بالكفين والارتفاق بالخدّين ولا فائدة في الازراء على الرأي والرّجوع عن العزم ، والحال أنّه قد ولي الاحتيال وأقبل الهلاك والاغتيال لأنّ الحيلة للخلاص من العقاب والتدبر وللفوز بالثواب إنّما هو قبل أن يغتال مخالب المنية كما قال سبحانه * ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) * . وأما بعد ما أنشبت أظفارها فلا كما قال سبحانه * ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) * ولو قال بعد الموت * ( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ) * يقال له * ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) * فانقطع العلاج وامتنع الخلاص . ( ولات حين مناص هيهات هيهات ) أي بعد المناص والخلاص جدّا والحال أنه ( قد فات ما فات وذهب ما ذهب ) الاتيان بالموصول في المقامين تفخيما بشأن الفايت الذاهب أي فات زمان تدارك السيئات ، وذهبت أيام جبران الخطيئات ، وانقضى وقت تحصيل النجاة من العقوبات ، والخلاص من ورطات الهلكات . ( ومضت الدّنيا لحال بالها ) أي بما فيها خيرا كان وشرّا ، وقيل : أي مضت الدّنيا لما يهواه قلبها وللسّبيل الَّذي أرادت ولم تكترث لحال القوم ولم تهتم لأمرهم بل نسيتهم ، وهذا مثل قولهم : مضى فلان لسبيله ، ومضى لشأنه . ( فما بكت عليهم السّماء والأرض وما كانوا منظرين ) اقتباس من الآية الشريفة
--> ( 1 ) من قوله وعاض على يديه إلى قوله وراجع عن عزمه ( منه ) . ( 2 ) فيه ما لا يخفى ، لأن الظاهر أن الجملات كلها مشتركة المعنى في إفادة ندم الاحياء على ما فرطوا لا الأموات ، إذ لا يعقل لهم العضّ على اليدين والصفق بالكفين والارتفاق بالخدّين كما هو واضح ، وعضّ الظالم على يديه انما هو في القيامة فليتأمل . « المصحح » .